بوق الموت (فرح)..!

2010/03/08


يسعدني بأن أبتدي معكم بسلسة بوق الموت وستكون بإذن الله أسبوعية (كل ليلة إثنين)..




التدوينة الأولى

بوق الموت (فرح)



- الحمدلله تشهّد.
- الحمدلله الله أكبر.
- والحين ويش نسوي؟؟
- اتصل على أهله.
- وين جواله..!
- فتّش داخل السيارة!!

مشهد كنت قد أخذت عليه من كثرة ما أرى الأفلام والدماء التي تصورها الكاميرات سواء السينمائية أو كاميرات الهواتف النقالة، شاب في العشرينيات من عمره اصطدم بحاجز اسمنتي وتقلّبت سيارته عدة مرات لترمي به خارجها وكأنه علبة مشروب غازي ألقيت من نافذة سيارة عابرة. 
كنت خلفه تماما عندما ارتطم بذلك الحاجز لأتفاداه بسرعة بعد أن ضغطتُ على دواسة الفرامل بكل ما أوتيت من قوة . لأنزل مسرعا







نحوه بعد أن طار خارج سيارته قرابة العشرين مترا. اقتربت منه وهو يشهق ينازع سكرات الموت ويردد كلمة (فرح فرح فرح). وكأنني قد اعتد على حضور سكرات موت البشر أخذت أقول له: قل لا إله إلا الله. 
وأخذت أردد عليه هذه الجملة لأنني كنت موقنا بأنه سيفارق هذه الدنيا بعد أن أشخص ناظريه إلى السماء وهو يصارع لأجل البقاء.

تجمع المارة حولنا لينزل شيخ كبير في السن متجها نحوي وما إن وصل إلي حتى مات بعد أن رفع سبابته ونطق تلك الجملة بدلا من كلمته(فرح).
بكى معظم المارة بعد أن أخذوا يهللون ويحمدون الإله بنطقه للشهادة.

لأقوم بعد أن إمتلأت عيوني بلهب الدموع مخاطبا هذا الرجل الكبير في السن الذي لست أدري لماذا وجهت كلامي له هو بالذات:

- الحمدلله تشهّد.
- الحمدلله الله أكبر.
- والحين ويش نسوي؟؟
- اتصل على أهله.
- وين جواله..!
- فتّش داخل السيارة!!

اتجهت إلى سيارته وأخذت أبحث عن جهازه النقال لأسمع صوت بكاء شبيه بالحفيف يخرج من خلف مقعد الراكب لأجد الجهاز خلفه.
أخذته والبكاء هو كل مايخرج من الطرف الآخر:

- آلو.. لأكررها عدة مرات دون رد..
أيقنت حينها أن الطرف الآخر لا يسمعنني أو أنه غير منتبه بأن المكالمة مازالت تعمل.
أنهيت المكالمة ثم عاودت الإتصال بعد أن بحثت في سجل المكالمات عن آخر رقم تم تسجيله.
ليأتيني الصوت مسرعا ومفجوعا:

- آلو آلو آلو عبد الله رد عليّ ويش فيك.؟

تمالكت دموعي:
- آلو..
- آلو
- ...
- عبد الله فيه شي..؟
- يا أختي عبد الله طيب بس مايقدر يكلمك هالحين لأنه تعبان شوي..
- تكفى والي يرحم والديك خليني أكلمه على الأقل أسمع همسه منه تكفى..

لتنزل دموعي:
- يا أختي قلت لك عبد الله طيب وبخليه يدق عليك بعدين إنشاء الله.. مع السلامة..
- أخوي الله يرحم...

أنهيت المكالمة مع مسحي لدموعي.
ياااااه سرقه الموت بلمح البصر.

حضر الإسعاف وحمل الجثمان إلى أقرب مستشفى. واستطعت بأن آخذ أرقام هواتف المسعفين النقالة ليعلموني عن مكانه فيما بعد.
اقتربت من سيارتي وإذ بشاب أعطيته من العمر سبعة عشر سنة يتجه نحوي مرسولا من ذلك الشيخ الكبير ليقود السيارة بدلا منّي.
لأشكره بعد أن قلت له بأنني بخير وبأنني أستطيع مواصلة الطريق إلى المدينة القادمة.
لوحّت للشيخ شاكرا إياه على هذا الموقف النبيل منه.

ركبت سيارتي لألحق بسيارة الإسعاف لنصل سويا إلى المستشفى.
أثناء الطريق كانت تلك المرأة والتي عرفت فيما بعد بأنها زوجته لم تدع دقيقة تمر دون اتصال.. لم أستطع إغلاق الجهاز حتى لا أفقد الوسيلة الوحيدة للإتصال بأهله..

وصلنا إلى المستشفى لأبادر المسؤول عن قسم الطوارئ بأنني حضرت الحادثة وبأنني أحمل معي أغراضه الشخصية..
أعطيته حافظة النقود بعد أن أخرجت منها إثباتاته الشخصية لأرى وجه هذا الشاب الوسيم الذي اغتاله الموت من أهله على حين غرة.

اتصلت على زوجته التي مازالت تتصل على الهاتف النقال حتى حسبت لها قرابة الستون إتصالا..
وبعد أن جالدت نفسي أجبتها:
- آلو..
- آلو.. السلام عليك.. ها بشّر وين عبد الله.
- لا أبشّرك الحين هو طيب ووصلنا للمستشفى.. ما أدري هو عنده ربو من زمان. (كنت أحاول ألا أفجعها بموته)
- هاااه والللله ما أدري إن عنده ربو.
- ما أدري يا أختي إنتي ويش تقربين له.!
- أنا زوجته..
- حيّاك الله يا أختي.. طيب ممكن تبلغين أحد اخوانه أو أحد أقاربه يجي للمستشفى علشان إنه صعب نخليه يسوق..
- طيب خير انشاء الله.

انتظرنا قرابة الساعة إلى أن أتى أحد إخوته.. كان شبيها جدا به غير اللحية الكثة التي تغطي جانبي وجهه.
أوصلنا إليه خبر وفاة أخيه وبشارتي له بنطقه للشهادة.. لتختلط عليه دموع الحزن مع دموع الفرح. وقصصت عليه جميع ما حدث، واستفسرت منه عن كلمة (فرح) ليقول لي بأنها ابنته التي لم تكمل شهرها السادس..!

لم أجد شخصا مثل جلادت هذا الرجل.. أخذ يتصل على أقاربه مبتدئا بوالده ليبلغه ويعزّيه في وفاة أخيه..

بعد أن اجتمعوا إخوته وأقربائه في قسم الطوارئ، استأذنت منهم بأنني سأذهب وبأنه مازال أمامي سفرا بعيدا ليقسموا علي جميعا بألا أذهب حتى يكرمونني.

لم يكن لي بد من البقاء بعد أن ذهبت محاولاتي أدراج الرياح. لأذهب مع أخو عبد الله إلى منزله.
كان رجلا في أواخر الثلاثينيات ملتحي أبيض البشرة جسيم البنية. مع هذا الحدث الجلل لم تفارق الإبتسامة محيّاه. 

جلست عندهم يومين لأحضر دفن عبد الله (رحمه الله).
كنت أسمع الجميع يثنون عليه بكل خير ويمتدحون خلقه رحمه الله. انتهى العزاء لأطلب من أخو عبدالله بأنني أتمنى لو أرى فرح.

أتى لي بها وبعد أن وضعتها في حضني لم أستطع أن أطفئ لهب دمعي لأبشرها بأن والدها مات ناطقا لجملة الحق.
ستة أشهر كان عمرها جميلة الملامح وبراءة الطفولة تخرج من عينيها وهي تتلفت يمنةً ويسرى وكأنني أسمعها تقول: أين أبي..؟
حملها عمّها ليدخلها إلى الداخل وهي تنظر إلي مستفهمةً عمن أكون؟؟


مضى على تلك الحادثة قرابة السنة وأنا مازلت متهيبا للموت قبل أن يبغاتني..
واضعا عبدالله عبرة وقدوة لي.. وفرح نظرتي للطفولة وإلهامي في الحياة

فهل سيذكرونني الناس والإبتسامة الحزينة على محياهم ولهب الدمع يطير من أعينهم حزنا على فراقي..!
كم أتمنى ذلك.



هناك تعليقان (2) :

*Dr.zaina* يقول...

قصة مؤلمة /مطعمة بالفرح..
برغم ذلك يبقون أولئك الأشخاص صورة شفافة داخل الذاكرة ولن نستطيع نسيانهم..

مدونة رائعة..

محمد متنبك يقول...

أهلا بالبروفيسورة زينة

سعيد بمرور روحك الطاهرة..